الخبير الاقتصادي ناصر الطيب: الفساد تجذّر وبات معوقاً لكل الخطط الحكومية وهو كارثة حقيقية

blank

الخلافات الكثيرة في (الوطني) من أسباب الأزمة الحالية

بعد مفاصلة الإسلاميين لم يعد المؤتمر الوطني كما كان

الذين انضموا لـ(الوطني) عقب المفاصلة دفعتهم مصالحهم الشخصية

الفساد تجذّر وبات معوقاً لكل الخطط الحكومية وهو كارثة حقيقية

التقاطعات السياسية تقف وراء شح الكتلة النقدية وفقدان الثقة في البنوك

حاوره: صديق رمضان

أكد الخبير الاقتصادي والقيادي بالمؤتمر الوطني، ناصر الطيب، أن التاريخ يثبت أن أنجح الحكومات التي مرت على البلاد جميعها كانت عسكرية، ويقول إنه حتى الإنقاذ في فترتها الأولى ولأن كل قادتها كانوا عساكر فإنها حققت نجاحاً باهراً، ولم يكن يوجد حديث عن الفساد ،مشيرا إلى أن ما حدث في الكتلة النقدية يعد أمراً مكشوفاً ومعروفاً يتمثل في أنها تحولت من البنوك إلى “البيوت “، والسبب يعود لفقدان الثقة، في المساحة التالية نستعرض إفاداته على أسئلة الصيحة:

*كيف تقرأ الواقع الاقتصادي؟

– الأزمة الاقتصادية الحالية تحدثنا كثيرًا عنها حتى بُحّت أصواتنا، وأكدنا أنه لا يمكن السيطرة على النقد الأجنبي إلا عبر ميزان المدفوعات فيما يتعلق بالصادر والوارد والعرض والطلب، وتوجد أشياء أخرى منها أننا ندعي أنه قد تم تحرير الاقتصاد، ولكن أغفلنا أمر دواعي تدخل الحكومة في الاقتصاد، ولكنها لم تفعل رغم أن دولة مثل اليابان لديها عشرة بنود تتيح لها رغم اقتصاد السوق الحر التدخل إذا دعا الأمر، بيد أن الحكومة لم تتدخل خاصة فيما يتعلق بالعرض والطلب والعملة الحرة.

*أزمة الكتلة النقدية تشعبت ووصلت لأول مرة مرحلة الشح في البنوك؟

– ما حدث في الكتلة النقدية يعد أمراً مكشوفاً ومعروفاً يتمثل في أنها تحولت من البنوك إلى “البيوت “، والسبب يعود لفقدان الثقة، وأعتقد أن هذا الأمر يعود بشكل مباشر إلى التخبط في السياسات والقوانين النقدية بعيدًا عن الخبراء وأهل الشأن، ولكن هذا لم يحدث، لذا طبيعي أن يترنح اقتصادنا، وكان يمكن أن تتوفر بدائل وموارد كثيرة لإنقاذه.

*وما هي البدائل؟

– أعتقد أن الكارثة الكبرى تتمثل في أن الحكومة ركزت جل جهودها على الذهب وذلك حتى تتمكن من الخروج من الأزمة الراهنة، وللأسف أهملت أحد أهم الموارد التي كان يمكن أن تخرج بالبلاد من عنق الزجاجة، وهو الصمغ العربي الذي نستحوذ على 80% من سوقه العالمي، وكان يمكن شراء الحكومة للصمغ وتحديد سعر تركيز إن توفر كميات كبيرة لتصديرها بالإضافة إلى التوسع في زراعته، ولكن للأسف هذا لم يحدث أيضاً.

*لماذا؟

– دعنا نكون أكثر صراحة ونلامس عصب أزمة البلاد الاقتصادية والتي تتمثل في الفساد الذي تجذر وبات معوقًا أساسياً لكل الخطط الحكومية، وهو بات كارثة حقيقية، بالإضافة إلى ذلك فإن التخبط في إصدار القوانين والتقاطعات الكثيرة أيضاً تحد من الاستفادة من إمكانيات البلاد مثل الصمغ وغيره ، وللأسف كل مسؤول يصدر قانوناً وكل جهة ترى أنها صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة، والقوانين التي تم إصدارها في البلاد فيما يتعلق بالاقتصاد لا توجد حتى في أمريكا، للأسف فإن البلاد لم تستفد من نماذج الدول التي تطورت مثل تركيا وغيرها.

*وكيف تقدمت هذه الدول اقتصادياً؟

– تركيا وحينما أرادت التطور وملامسة ثريا النجاح والتخلص من أزمتها الاقتصادية التي كانت في بدايتها تتعامل معها بحذف الأصفار عن العملة، فإنها اتجهت إلى محاربة الفساد بضراوة وبلا هوادة، ولم تستثن حتى الذين تدور فقط حولهم شبهات، وفي النهاية تمكنت من وضع اقتصادها في المسار الصحيح، وهذا هو الأمر الذي عجزنا نحن في تحقيقه على أرض الواقع، لذا فإن مشاكل اقتصادنا ستظل قائمة.

*الاستثمار من الموارد التي ترفد الدول بالعملات الحرة وتسهم في تحريك اقتصادياتها؟

– نعم، ولكن التقاطعات الموجودة في السياسات النقدية والمالية بالإضافة إلى دخول الحكومة في العمل الاقتصادي تعتبر من المعوقات التي تحول بين تدفق الاستثمارات الأجنبية على البلاد، وكذلك يعد عدم استقرار سعر الصرف من الأسباب المباشرة لهروب رؤوس الأموال الأجنبية بل والوطنية.

*وماذا إن لم تنتف الأسباب التي أسهمت في ابتعاد الاستثمار عن البلاد؟

– الاستثمار يحتاج إلى ضمانات وتسهيلات والحكومة سعت إلى جذب المستثمرين بسياسات تشجيعية، ولكن رأس المال كما ذكرت لك يقرأ جيداً الواقع الاقتصادي في كل دولة، لذا فإننا مهما بذلنا فلن نتمكن من استقطابه بالشكل الذي يوازي إمكانيات البلاد، ورغم ذلك توجد حلول أخرى منها الدخول في شراكات أجنبية ووطنية، ولكن أيضاً هذه تحفها المخاطر وتكفي تجربة شركة عارف الكويتية، وبصفة عامة فإن الوضع يبدو قاتماً في ظل ضعف موارد البلاد من العملات الحرة.

*هذا يعني عدم وجود حلول؟

– نعم، الحكومة تأخرت في اتخاذ الكثير من الخطوات العلمية والمنهجية التي كان يمكنها أن تخفف من الأزمة الاقتصادية، ولكن وفي تقديري أن الحلول ممكنة تتمثل في تكوين لجنة استراتيجية ذات نظرة قريبة وأخرى بعيدة لبحث المشكلة من كل جوانبها ووضع الحلول الناجعة لما تمر به البلاد من أزمة اقتصادية وصلت مرحلة خروج المواطنين للاحتجاج على الأوضاع المعيشية.

*على ذكر الاحتجاجات فإن بورتسودان التي تعد أحد قياداتها فإنها أول المدن التي خرج مواطنون فيها منددين بالأوضاع الاقتصادية؟

– نعم، هذه حقيقة، وفي تقديري أن السبب يعود إلى اتخاذ حكومة الولاية قراراً أعتبره ارتجالياً، ولم يخضع للمشورة، يتمثل في زيادة أسعار الخبز قبل زيارة الأخ رئيس الجمهورية إلى الولاية بساعات، وهو أمر غريب لم يكن له ما يبرره، كما أنه تزامن مع بشريات مغادرة باخرة تحمل مليون برميل من بترول الجنوب، ولكن حدث ما حدث فكان أن تمددت الاحتجاجات إلى الكثير من أنحاء البلاد.

*ولكن حكومة الولاية كانت مضطرة لاتخاذ هذا القرار لشح الدقيق؟

– حاجة الولاية اليومية كانت تبلغ أربعة آلاف جوال ورغم ذلك كان توجد أزمة في الخبز، والغريب في الأمر أن الولاية حالياً تستهلك ما يزيد على الألف وسبعمائة جوال فقط، ويوجد استقرار كامل، وهذا يعد أمراً مثيراً للتعجب، وللأسف فإن الولاية هي الأولى التي أصدرت قرارات زيادة أسعار الخبز، وهذا ما أشار إليه مدير جهاز الأمن الوطني، وكان يجب أن تحاسب حكومة الولاية، لأنها كانت السبب في اندلاع المظاهرات في كل أنحاء البلاد.

وبعيداً عن موضوع الدقيق حدث أمر آخر غريب في البحر الأحمر يتمثل في أنه وفي ظل أزمة السيولة فإن إحدى الجهات الحكومية كانت تحتفظ في خزنتها بمبلغ يتجاوز الأربعة ملايين وخمسمائة ألف جنيه وهو أيضا يبدو أمراً غريباً.

*هذا يعني وجود أزمة حتى في اتخاذ القرارات؟

– نعم، للأسف معظم القرارات الاقتصادية والسياسية يشوبها التعجل والخطأ لعدم خضوعها للدراسة الكافية، لذا ظللنا ننادي بأهمية وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وفي تقديري أن الأوضاع الاقتصادية الحالية لا تحتاج إلى القرارات الفردية، بل تحتم وجود لجان تضم خبراء تخضع كل قرار للدراسة الشاملة والمتأنية والعميقة، بالإضافة إلى ذلك، فإن الجهات الشرعية تحتاج إلى توحيد فتاواها خاصة فيما يتعلق بالاقتصاد، وذلك لأنها باتت متقاطعة.

*هل للأزمة الاقتصادية ظلال سياسية؟

– بكل تأكيد، وقد بدأت عقب مذكرة العشرة وإلى ذلك الوقت كان الفساد محدوداً، ولكن بعد ذلك استشرى، وفي تقديري أن الخطوة التي أقدم عليها الدكتور الراحل حسن الترابي عقب مذكرة العشرة كان لها تأثير كبير على الاقتصاد، وذات الظرف يتكرر الآن يتمثل في تأني الحكومة في اتخاذ قرارات جريئة تعيد الأمور إلى نصابها.

*البعض يرى أن الأزمة تفاقمت ولن تجدي الحلول السياسية نفعاً؟

– أتفق معهم، لأن الهم الأكبر بات البقاء والحصول على أبسط متطلبات الحياة، ولم يعد تعاطي السياسة من الأولويات، وبات تركيز المواطنين فى كيفية الحصول على أموالهم من البنوك والخبز وغيره، وللأسف فإن الكثير من الأسر المتعففة تعاني كثيراً.

*المؤتمر الوطني ظل يؤكد وجود حلول؟

– للأسف بعد المفاصلة لم يعد المؤتمر الوطني كما كان، وقد فقد الكثير من القيادات المؤثرة وسط الإسلاميين واكتفت بالجلوس على رصيف الفرجة وبات معظم الممسكين بالحزب من أصحاب المقدرات المحدودة خاصة في الولايات، وللأسف فإن الخلافات الكثيرة في المؤتمر الوطني من أسباب الأزمة الحالية وهذا الأمر لا يوجد له حسم غير إعلان حالة الطوارئ وحل الأحزاب.

*هل تعني أن المؤتمر الوطني لم يعد يمتلك كوادر مؤهلة لقيادة البلاد؟

– للأسف كثير من الذين انضموا للمؤتمر الوطني عقب المفاصلة دفعتهم مصالحهم الشخصية إلى ذلك وليس عن قناعة بتوجهات الحزب وأدبياته، وهؤلاء أعتبرهم من الأسباب المباشرة التي أسهمت في تفشي الفساد، ذلك لأن مصلحة الحزب تأتي في أدنى سلم أولوياتهم ونعرف الكثير من الذين وصلوا لمواقع قيادية وهم غير مؤهلين، وللأسف تجذرت دولتهم داخل المؤتمر الوطني الذي تحول إلى لوبيات وظل الرئيس يتحمل أخطاءهم.

*لماذا؟

– هم يستندون كلياً على جماهيرية رئيس الجمهورية، ويدركون جيداً أنهم بدونه لا يمكن أن يستمروا في حكم البلاد، والبشير وبشهادة حتى أحزاب المعارضة يعد الضامن لوحدة البلاد وتماسكها، وهو يبذل فوق طاقته وبجانبه الأجهزة الأمنية والعسكرية لاستتباب الأمن بالبلاد، وأعتقد أن الفساد الذي تجذر وبات معوقاً أساسيا لكل الخطط الحكومية بات كارثة حقيقية.

*وكيف تنظر إلى خروج المواطنين في تظاهرات ضد الحكومة؟

– الاحتجاجات معروف أنها خرجت بسبب الأزمة الاقتصادية وأراد المواطنون إيصال صوتهم إلى الحكومة والتي تعاملت مع هذا الأمر بجدية واهتمام وتسعى حالياً بكل ما أوتيت من جهد لتحسين الأوضاع المعيشية، وفي تقديري أن البلاد جربت كل الأحزاب في حكمها، وقد أثبتت فشلها، لذا لابد من البحث عن طريق ثالث.

*ماذا تعني بطريق ثالث؟

– الحل في إعلان حالة الطوارئ وأن تُشكل حكومة من الضباط فقط، لأن التاريخ يثبت بأن أنجح الحكومات التي مرت على البلاد جميعها كانت عسكرية وحتى الإنقاذ في فترتها الأولى، ولأن كل قادتها كانوا عساكر، فإنها حققت نجاحاً باهراً، ولم يكن يوجد حديث عن الفساد، وفي تقديري أن هذا هو المخرج الوحيد لأزمات البلاد، والمشير البشير يحتاج إلى حكومة عسكرية تساعده على العبور بالبلاد من وضعها الراهن وبخلاف ذلك لن يحدث تطور وسنظل ندور في حلقة مفرغة.

*وإذا لم يتحقق هذا الشرط؟

– لن تستقيم الأمور، في عهد الإنقاذ شاركت الكثير من الأحزاب في السلطة، وهي تعد شريكاً أساسياً في تراجع الأوضاع الاقتصادية في البلاد، ولا أعتقد أن القوى السياسية تملك القدرة على الخروج بالبلاد من راهنها السياسي والاقتصادي، نريد حكومة عسكرية بقيادة البشير تحارب القبلية وترسي دعائم الوطنية، وتحارب الفساد وبالتالي سيتحسن الاقتصاد وتتعافى البلاد من مشاكلها.

* بالعودة إلى الاقتصاد، البعض يرى أن عددا محدوداً من رجال الأعمال المحسوبين على الحزب الحاكم يتحكمون فيه؟

– قلة لا تتجاوز الـ10% تعد أكثر ثراء من الدولة، وهذه واحدة من مشاكل السودان على عكس الموجود في الهند التي ورغم وجود عدد كبير من السكان والأثرياء إلا أن الدولة تعد أكثر ثراء من المواطنين وهذا يعني التوزيع العادل للثرورة، والسبب في ذلك يعود في تقديري إلى أن محاربة الفساد في السودان تعد ضعيفة إلى أبعد الحدود، وهذا جعل الأموال محصورة في فئة محدودة، وأعتقد أن الحل يكمن في تنفيذ النموذج التركي.

*ألا يحتاج تطبيق النموذج التركي لإرادة سياسية؟

– حتي تعود الأمور الاقتصادية إلى نصابها فما زلت أكثر إصراراً على أن الطريق إلى تحقيق هذا الهدف يمر عبر محاربة الفساد بشراسة، لأن حدوث هذا يحقق الكثير من النتائج الإيجابية، وتركيا مرت بتجربة اقتصادية حرجة، ولكن امتلكت إرادة مكافحة الفساد بعد أن أدركت أنه السبب الأساسي في تدهور الاقتصاد، وبدأت مكافحته في الأجهزة العسكرية والأمنية والقضائية، ثم عملت على مراجعة القوانين وألغت منها الكثير، وعملت على تبسيطها ومن ثم انسحب هذا على الإجراءات ليحدث تحسن كبير في الاقتصاد التركي بعد ذلك.

الصيحة

#السودانيون