ريبورتاج: السودان الجديد في عيون “الكنداكات” الثائرات

في اللغة النوبية التي كان يتحدث بها سكان نهر النيل في جنوب مصر وفي شمال السودان، تعني كلمة “الكنداكة” ملكة محاربة وشجاعة تصدت للغزوات الخارجية وفرضت نفسها في مجتمع رجالي. أما اليوم، فهي ترمز إلى آلاف النساء السودانيات اللواتي شاركن في الثورة لإسقاط نظام البشير ولبناء سودان جديد ومدني.

” نعم أنا كنداكة”. هكذا وصفت إسراء أحمد زين العابدين (23 سنة) نفسها وهي تتحدث عن مشاركتها في الثورة السودانية. هذه الطالبة خريجة أكاديمية العلوم الهندسية بالخرطوم بدرجة ماجستير متأكدة أن الثورة الجديدة بدأت تغير المفاهيم لدى المجتمع السوداني. “التعامل بين الناس تغير وأصبح إيجابيا. العنصرية بين العرب وغير العرب وبين البيض والزنوج بدأت تتلاشى. الثورة جعلت كل سوداني يعيش في وطنه ويشعر بأن هذا الوطن محتاج إليه”.

التحقت إسراء بالثورة منذ بدايتها. التقيناها في ساحة الاعتصام بالخرطوم وروت لفرانس24 الأسباب التي جعلتها تدخل غمار الاحتجاجات الشعبية: “بدأت أشارك في المظاهرات عندما سمعت أن سودانيين ماتوا من أجلنا. هم ماتوا من أجل الوطن ولكي يحررونه من الذين مسكوه خلال 30 سنة”.

وواصلت:” شعرت أن السودان لم يتطور مع النظام السابق. لذا قررت المشاركة لكي أشارك في هذا التغيير وإدراكا مني أن بعد 5 سنوات من الدراسات العليا، لن أجد عملا ولن يكون لي مستقبل في ظل نظام البشير”.

ورغم أن والدها رفض أن تلتحق بالاحتجاجات، إلا أنها تجاوزت قراره وشاركت في أول مظاهرة في ديسمبر/كانون الأول في ساحة الشهداء إذ قالت: “كنت أهتف يا أيها العنصري المغرور (تقصد عمر البشير) كل البلد دارفور”، و”سلمية سلمية ضد الحرامية”، و”الطلقة لا تقتل، سكات الناس هو الذي يقتل”. كنت أتابع صفحة التجمع المهنيين على فيس بوك لمعرفة أماكن التجمع والتوقيت”.

اعتقلت إسراء في أبريل/نيسان خلال مظاهرة حاشدة مهدت لسقوط البشير في 11 من نفس الشهر. وعاشت أول تجربة صعبة في حياتها. “كنا نسير نحو مكان المظاهرة لكن تمت محاصرتنا من قبل سيارتين تابعتين للأمن. الأولى كانت في الخلف والثانية في الأمام. وبقينا نحن البنات في الوسط.. رجال الأمن نزلوا وضربوا الرجال والنساء بالخراطيش (هي عصي خشبية غليظة) ثم اقتادونا إلى سجن “أبو جنزير “بوسط الخرطوم بالسودان”.

وأضافت:” بقيت هناك مع بنات أخريات في خيمة تحرقها الشمس خلال ساعات عديدة رغم الصيام. كان رجال الأمن يتكلمون معنا بشكل غير مهذب ونزعوا منا هواتفنا. بقينا ليلة كاملة في السجن. أنا كنت محظوظة لأنني لم أتعرض للضرب. لكن بنات كثيرات تعرضن للضرب المبرح وأخريات إلى التحرش الجنسي”.

“يجب على المرأة السودانية أن ترفع صوتها ويسمعها العالم بأكمله”

لم تشعر إسراء بالخوف أبدا، كما قالت لفرانس24 “هذا الاعتقال كان بمثابة مغامرة بالنسبة لي. كنت أشعر أن شيئا ما سيتغير وأن المعيشة في البلد ستتحسن”. ورغم معاناة الاعتقال، قررت الاستمرار في التظاهر، لكن بشكل مستقل وليس تحت راية أي حزب سياسي أو جمعية، معتقدة أن المرأة السودانية أثبتت هذه المرة وجودها وشاركت بنحو 70 بالمائة في الثورة بلا دون خوف ولا تراجع.

للمزيد: ضحايا ثورة السودان وجروح الأمهات التي لن تندمل

وعندما سألناها كيف ترى مستقبل السودان، أجابت:” الثورة غيرت دور المرأة. في الماضي كانت فقط “تقبع” في المنزل. أما اليوم فلقد أصبحت عنصرا مهما في المعادلة السياسية والاجتماعية السودانية. أنا فخورة بالثورة وعلى المرأة أن ترفع صوتها وألا تخاف لكي يسمعها العالم بأسره ولكي تحترم حقوقها كاملة”.

أما تبيان عودا حميدة (23 سنة) وهي طالبة في مجال الإلكترونيات، فتجربتها مع الثورة لم تكن سهلة بعدما قامت سيارة من الأمن بدهسها عمدا خلال مظاهرة بأم درمان.

وحكت لفرانس24: “في 31 يناير/كانون الثاني، شاركت في مظاهرة العباسية بأم درمان. بدأ المتظاهرون يفرون من الشرطة لكن سيارات الأمن والمخابرات كانت تسير بسرعة من خلفنا وقامت بدهسنا بشكل متعمد. فدهستي سيارة رباعية الدفع وفقدت الوعي ثم نقلت إلى المستشفى حيث أجريت عدة عمليات جراحية في الرجل والكتف”.

وأضافت:” بقيت في المستشفى أسبوعين لكن حتى يومنا هذا لازلت أشعر بالألم ولا أستطيع المشي بسهولة”.

وشاركت تبيان عودا حميدة في المظاهرات لكي “أسقط النظام لأن هذا النظام كله فاشل.. ونبني سودان جديد ويكون اقتصادنا أحسن ونصلح بلدنا من الأول، وهي مطالب جميع الناس”.

وأثنت على دور النساء السودانيات اللواتي وقفن بشجاعة أمام قوات الأمن والجيش. “عدد البنات كان أكثر من الأولاد في المظاهرات. كنّ في طليعة المسيرات ويشجعن الأولاد. بنات كانت ترجع الغاز المسيل للدموع باتجاه قوات الأمن. البنات دخلن هذه الثورة بقوة أكثر لأنهن تضررن أكثر مقارنة بالأولاد من نظام البشير، فطبيعي أن يحاربن أكثر من أجل حقوقنا”.

” ثورة السودان هي ثورة النساء بامتياز”

رغم المصاعب، تعتقد تبيان عودا أن المستقبل سيكون أحسن من حكم العسكر وستكون هناك حكومة كفاءات ومدنيين بإمكانهم تطوير البلاد وجعل السودان يسير إلى الأمام. “المسؤولون الجدد لا يملكون أطماعا سياسية أو شخصية مثل السابقين. صحيح أن السودان مر بتجارب صعبة في الماضي لكن العسكر هم من كانوا يحكمونه. أما اليوم هناك أناس جدد يحبون وطنهم ويريدون خدمته وتطوريه إلى الأفضل”.

وتتمنى هذا الشابة أن يعود منصب رئيس الوزراء في الحكومة الجديدة لامرأة، بالرغم من أن عدد النساء المشاركات في المحادثات قليل جدا. “لكن المهم هو تشكيل حكومة كفاءات مكونة من رجال ونساء ويكون المعيار الأساسي الوحيد هو الكفاءة والعمل من أجل مصلحة السودان”، تضيف تبيان عودا التي تدعو كل بنات العالم إلى “محاربة القمع والظلم والتحلي بالقوة كما كانت الكنداكات النوبية السابقة”.

ولم تقتصر مشاركة النساء السودانيات في الثورة على التظاهر والاحتجاج، بل شاركن كذلك بالموسيقى والغناء. مثل المغنية الشهيرة نانسي عجاج التي تواكب أحداث بلادها لحظة بلحظة. فبعد أن عاشت سنوات في هولندا، اختارت أن تعود إلى بلدها وتواكب جميع مراحل تغيره.

 

 

التقيناها في منزلها بالخرطوم وأكدت لفرانس24 أن ما يحدث من ثورة في السودان ينذر بمستقبل زاهر ويولد الأمل لدى جميع السودانيين. وأضافت أنها غنت للثورة ولحنت عدة أغاني، من بينها أغنية “ميلاد” تتساءل فيها: “من أين جاء هؤلاء؟ ولأي دين يتبعون؟ لا يشبهون الناس في بلدي بتاتا. لا هم لأرضنا ينتمون”. تقصد أفراد النظام السابق الذين لم يخدموا “إلا مصالحهم”. وتتمنى هذه المغنية الشابة التي تلقب بـ “أم كلثوم السودان” أن تحيي حفلا غنائيا في ساحة الاعتصام عندما تتوصل قوى الحرية والتغيير إلى اتفاق نهائي يكرس النظام المدني الجديد.

ما ميز الثورة السودانية هي المشاركة القوية للنساء، وخصوصا طالبات الجامعات والثانويات اللاتي خرجن بكثرة إلى الشوارع للمطالبة بالتغيير متحديات الخوف والمعاملات التعسفية لقوات الأمن خاصة قبل سقوط عمر البشير. وجاءت أيضا نساء من دارفور وجبل النوبة ومن مناطق سودانية أخرى بكثافة، ما جعل الثورة تتلون أكثر سواء بتعدد اللغات التي يتحدثها المتظاهرون أو بتنوع التقاليد والملابس. ثورة السودان، كما صرحت العديد من النساء لفرانس 24، فتحت “آفاقا جديدة للشعب وكسرت جدار التفرقة والعنصرية بين الجنوب والشمال وبين العربي وغير العربي والزنجي والأبيض كما أضحت “ثورة السودان هي ثورة النساء بامتياز”.

طاهر هاني