السودانيون:

علقت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، على مسرحية محاكمة قتلة الصحفي السعودي جمال خاشقجي، واصفة القرار القضائي الذي صدر بحق المتهمين بقتل خاشقجي بأنه “صورة هزلية مخزية” من صور العدالة، موضحة أن موعد الإعلان عن الحكم النهائي جاء قبل انتهاء المدة التي تم منحها لمدير الاستخبارات لتحديد هوية أي سعودي متورط في مقتل خاشقجي
فبعد محاكمةٍ سرية، أعلنت السلطات، أمس الإثنين 23 ديسمبر/كانون الأول، الحُكم على خمسة أشخاص متورطين في الجريمة، التي وقعت في 2 أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي 2018، بالإعدام، والحكم على ثلاثة آخرين بالسجن.
لم يُذكر اسم أيٍّ من المحكوم عليهم. لكنَّ المحكمة برَّأت رجلين من المعروف أنهما قادا الجريمة: وهما نائب رئيس الاستخبارات السابق أحمد العسيري، وسعود القحطاني، أحد كبار مساعدي الأمير السعودي محمد بن سلمان. والأرجح أنَّ المحكمة أصدرت عفواً عنهما بأمرٍ من محمد بن سلمان، الذي استنتجت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية أنَّه المُدبِّر الحقيقي للجريمة.
تقول الصحيفة الأمريكية: «يُمكن القول إنَّ هذا الحُكم يُمثِّل إهانةً لعائلة خاشقجي ولجميع الذين طالبوا بمساءلة حقيقية في القضية، بمن في ذلك أغلبية أعضاء الكونغرس من الحزبين».
كما اعتبرت الصحيفة «القبول الدولي للحُكم لن يكون خطأً من الناحية الأخلاقية فحسب، بل سيكون خطراً كذلك؛ لأنَّه سيُرسل للحاكم السعودي المتهور رسالةً مفادها أنَّه لن يُحاسَب على نزعته الطائشة القاتلة».
يُذكَر أنَّ خاشقجي، بدءاً من عام 2017، كان يعيش في الولايات المتحدة، ويكتب مقالات رأي في صحيفة The Washington Post الأمريكية ينتقد فيها القمع الداخلي الذي ينتهجه محمد بن سلمان، والذي يستهدف ناشطين وكُتَّاباً ومفكرين يناصرون الإصلاح السلمي، بالإضافة إلى مسؤوليته عن شن الحرب الكارثية في اليمن.
الصحيفة الأمريكية تصف تصريحات المدعي العام بالكذب
وبعدما أبلغت القنصلية السعودية في إسطنبول السلطات السعودية بأنَّ خاشقجي كان يريد استخراج وثائق يحتاج إليها من أجل الزواج، أرسل نواب محمد بن سلمان فريقاً مكوَّناً من 15 فرداً لمقابلته، بينهم طبيبٌ شرعي وصل وهو يحمل منشار عظام.
من جانبه، قال متحدثٌ باسم النائب العام السعودي، أمس: «لم تكن هناك نية مسبقة لقتل» خاشقجي وارتكاب الجريمة كان «قراراً اتُخِذ فجأةً».
وصفت الصحيفة تصريح النائب العام السعودي بأنه «كذبةٌ موثقة؛ لأنَّ التحقيق الذي أجرته أغنيس كالامارد، مُقرِّرة الأمم المتحدة المعنية بحالات القتل خارج نطاق القضاء، تضمَّن الاستماع إلى تسجيلاتٍ صوتية تحدَّث فيها الطبيب ورئيس فريق الاغتيال عن تقطيع خاشقجي قبل دخوله القنصلية».
كما نشرت أغنيس تغريدةً، أمس، كتبت فيها: «وفقاً لمصادري، فقد أكَّد النائب العام أنَّ قتل السيد خاشقجي كان متعمداً مع سبق الإصرار والترصُّد. لكنَّ ولي العهد أكَّد أنَّه كان حادثاً فجائياً، وهذا يتنافى مع الأدلة. فخمِّنوا من الذي اتبَّع القاضي كلامه؟».
دعم أمريكي من ترامب للحكم القضائي
تقول الصحيفة الأمريكية: «ما كان من المحتمل أن يعرقل محمد بن سلمان العدالة بوقاحةٍ شديدة كهذه لولا الدعم الذي حصل عليه من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب».
أضافت أيضاً: ففي خطوةٍ لا تُصدَّق، أصدر البيت الأبيض بياناً أمس وصف فيه الحكم بأنه «خطوة مهمة في محاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة الفظيعة».
كما تعجبت الصحيفة الأمريكية لصمت الجمهوريين في الكونغرس على الحكم، وقالت: «حتى النواب الجمهوريون في الكونغرس الذين تعهَّدوا بالإصرار على مساءلة المشتركين في جريمة القتل، رضخوا بهدوء لرغبة الإدارة في الشهر الجاري ديسمبر/كانون الأول، وأزالوا بنداً متعلقاً بفرض عقوباتٍ على المملكة من قانون إقرار الدفاع الوطني لهذا العام بسبب معارضة ترامب».
دوافع إصدار الحكم على قتَلة خاشقجي بهذا التوقيت
وعن أسباب صدور هذا الحكم في هذا التوقيت، قالت الصحيفة الأمريكية إن أحد البنود التي بقيت في القانون يشترط أن يقدم مدير الاستخبارات الوطنية تقريراً إلى الكونغرس في غضون 30 يوماً من لحظة تحديد هوية أي سعودي متورط في «توجيه الأدلة أو تنظيمها أو العبث بها» في قضية خاشقجي.
لذلك سيكون من الصعب على جوزيف ماغواير، القائم بأعمال مدير الاستخبارات الوطنية، الامتثال لهذا البند دون ذكر اسم محمد بن سلمان، لأنَّه من المعروف أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية خَلُصت إلى أنَّه هو الذي أمر بالقتل.
وتتوقع الصحيفة أنه ربما يكون هذا هو ما دفع السعوديين إلى إعلان حكمهم فجأةً في محاكمتهم الصورية من أجل توفير ذريعة لإدارة ترامب لاستبعاد مدبِّري الجريمة الحقيقيين من أي عقوبات محتملة.
كما دعت الصحيفة الكونغرس إلى أن يطالب بأن يكون تقرير مدير الاستخبارات الوطنية شاملاً وصادقاً، وأن يتحمَّل كل من يُذكَر اسمه في التقرير عواقب اشتراكه في جريمةٍ كهذه.