السودانيون:

أقرت السلطات الانتقالية السودانية قانون “تفكيك نظام الإنقاذ” الذي يقضي بحل حزب المؤتمر الوطني الذي كان يتزعمه الرئيس السوداني السابق عمر البشير، ومصادرة أمواله وتعليق النشاط السياسي لرموزه.

وأُقر القانون الجديد في اجتماع مشترك بين مجلس السيادة الانتقالي ومجلس الوزراء في السودان.

وفي ظل غياب برلمان في المرحلة الانتقالية يتولى المجلسان معا مهمة إقرار القوانين بدلا من الهيئة التشريعية (البرلمان)، بحسب الوثيقة الدستورية الموقعة بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير.

وترافق إقرار هذا القانون مع قانون إلغاء قانون النظام العام الذي كان يحد كثيرا من حريات النساء في مجالات الزي والتنقل والتجمع والعمل والدراسة، وينص على استخدام عقوبة الجلد بحق المخالفات منهن.

فما هو قانون “تفكيك نظام الإنقاذ” وما أبرز بنوده وآثاره المتوقعة في المشهد السياسي السوداني؟

يستهدف القانون تفكيك مجمل البنية السياسية وشبكة علاقات القوى التي بناها ما يعرف بنظام الإنقاذ في السودان، وهو النظام الذي جاء في أعقاب الانقلاب الذي قاده البشير على السلطة الشرعية المنتخبة في السودان في 30 يونيو/حزيران عام 1989 واستمر في الحكم لثلاثة عقود.

وينص القانون على حل حزب المؤتمر الوطني الحاكم في عهد البشير، وحذفه من سجل التنظيمات والأحزاب السياسية في السودان، فضلا عن حل مجمل الواجهات التي كان يستخدمها والمنظمات الأخرى التابعة له أو لأي شخص أو كيان مرتبط به.

ويقر القانون العزل السياسي بحق من يسميهم “رموز نظام الإنقاذ أو الحزب” بمنعهم من ممارسة العمل السياسي لمدة لا تقل عن عشر سنوات.

وتضمن القانون مصادرة ممتلكات وأصول الحزب لتصبح ملكيتها تابعة لحكومة السودان وفق ما تقرره لجنة خاصة في هذا الصدد. وأعطى القانون هذه اللجنة حق الملاحقة القانونية ومصادرة الممتلكات وتحديد طريقة التصرف بها.

وحدد القانون من يقصدهم بتعبير “رموز المؤتمر الوطني” بأنهم “أي شخص شغل منصباً في ما يسمى “مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني” أو أي شخص كان عضواً بمجلس شورى الحزب أو عضواً بالمجلس القيادي للحزب بمن فيهم من شغلوا منصب رئيس الجمهورية أو نائب رئيس الجمهورية أو رئيس المجلس التشريعي أو والٍ أو وزير اتحادي أو ولائي أو مدير لجهاز الأمن أو نائب عام أو نقيب للمحامين أو رئيس للقضاء أو للمحكمة الدستورية لجمهورية السودان إبان نظام الإنقاذ”.

وبهذا لا يقتصر القانون على استهداف هياكل الحزب السياسية بل يتعداها إلى ملاحقة نفوذ الحزب في الاتحادات المهنية والمؤسسات الحكومية والقضائية والمنظمات الثقافية وشركات القطاع العام أو المؤسسة بقانون خاص.

ويسعى القانون هنا إلى إزالة ما يسميه “التمكين” خلال فترة حكم نظام الإنقاذ، الذي يعرفه بأنه “أي طريقة أو أسلوب أو عمل أو تخطيط أو اتفاق للحصول على الوظيفة العامة أو الخاصة إنفاذاً لسياسات نظام الإنقاذ سواء بالفصل من الخدمة تحت مظلة الصالح العام أو بتعيين منسوبي نظام الإنقاذ أو إحلالهم ليتولوا بأي وسيلة أو يسيطروا على الوظائف أو المصالح أو المؤسسات القائمة”.

كما يقع تحت التعريف كل ما نجم عن “الحصول على أي ميزة أو إعفاء أو امتياز أو إتاحة فرص للعمل بسبب الولاء التنظيمي أو الانتماء السياسى أو القرابة بأحد رموز نظام الانقاذ أو قيادات الحزب أو الأفراد الذين نفذوا أو ساعدوا في الاستيلاء على السلطة” عام 1989.

ونصت المادة التاسعة في الفصل الرابع للقانون على إلغاء وحل النقابات والاتحادات المهنية واتحاد أصحاب العمل.

وأعطى القانون لمسجل تنظيمات العمل حق إلغاء تسجيل نقابة المحامين السودانيين ومجلسها ولجنة قبولها.

ودعاه إلى العمل على إلغاء “تسجيل اللجان التنفيذية واللجان المركزية للنقابات ومجالس الاتحادات المهنية وكافة النقابات المركزية والفرعية”.

وأعطى القانون للمسجل حق تسمية وتعيين نقيب للمحامين يكون رئيسا للجنة قبول المحامين وثلاثة محامين لعضوية هذه اللجنة فضلا عن 14 عضوا ليتولوا الاضطلاع بأعمال مجلس النقابة.

وتهدف هذه الإجراءات إلى الحد من نفوذ أعضاء حزب المؤتمر الوطني ومواليه في الاتحادات والنقابات المهنية.

من يتولى تنفيذ القانون؟

يُنشئ القانون لجنة خاصة يسميها “لجنة تفكيك نظام الإنقاذ” يكون رئيسها من أعضاء مجلس السيادة ويكون له رئيس مناوب يختاره مجلس الوزراء من أعضائه.

وتضم اللجنة في عضويتها وزير العدل ووزير الداخلية ووزير الصحة وممثلين عن جهاز المخابرات وبنك السودان، فضلا عن خمسة أعضاء يختارهم رئيس الوزراء.

وأعطى القانون لهذه اللجنة شخصية اعتبارية في التقاضي، وصلاحيات إلغاء أي وظيفة في الأجهزة الحكومية والهيئات والمؤسسات وشركات القطاع العام، وحل “أي منظمة ربحية أو غير ربحية أو مؤسسة أو هيئة أو مفوضية أنشئت قبل 11 ابريل”.

ومنح القانون هذه اللجنة صلاحية حجز حسابات الأشخاص والمؤسسات والشركات المصرفية لأغراض تفكيك نظام الإنقاذ واتخاذ “أي إجراءات جنائية أو قانونية ضد أي شخص ومطالبته بالتعويض عن أي كسب غير مشروع بسبب الوظيفة أو طريقة الحصول عليها”.

وكان حزب المؤتمر الوطني استبق إقرار مشروع القانون بإصدار بيان عن أمانة الشباب الاتحادية فيه حذر من أن “أي خطوة من السلطات لحل حزب المؤتمر الوطني، ومنعه من حقه المشروع في الممارسة السياسية، ستواجه بوابل من الغضب الذي لن يسلم منه أحد”.

ويرفض حزب المؤتمر الوطني الاعتراف بشرعية وقانونية أي إجراءات بإصدار أو تعديل أو إلغاء أي مواد قانونية خلال هذه المرحلة الانتقالية، مطالبا بتأجيل ذلك لحين تشكيل حكومة شرعية منتخبة من الشعب.

وكان رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك وصف القانون في تغريدة بأنه جاء “إقامةً للعدل واحتراما لكرامة الناس وصونا لمكتسباتهم، حتى يتسنى استرداد الثروات المنهوبة من خيرات الشعب”.

مؤتمران

ويمثل حزب المؤتمر الوطني امتدادا للحركة الإسلامية بقيادة أمينها العام حسن الترابي التي وقفت وراء الانقلاب العسكري الذي قاده البشير ضد حكومة الصادق المهدي المنتخبة في عام 1989، وقد تأسس على أنقاض “الجبهة الإسلامية القومية” في عام 1998 في أعقاب الخلاف بين البشير والترابي.

وحُسم هذا الخلاف في عام 1999 عندما أصدر البشير مرسوما أعلن فيه حال الطوارئ وحل البرلمان في ما عرف “بقرارات الرابع من رمضان”، وجرى إقصاء الترابي نهائيا عن النظام الحاكم. وقد أعلن الترابي لاحقا عن تأسيس حزب جديد سماه “المؤتمر الشعبي”.

وتشكل عماد حزب المؤتمر الوطني من عدد من قادة الحركة الإسلامية الذين كان البعض يصفهم بأنهم “تلاميذ الترابي”، ومن أبرزهم الدكتور غازي صلاح الدين الذي احتل منصب مستشار رئيس الجمهورية وعلي عثمان محمد طه الذي تولى منصب نائب رئيس الجمهورية.

ويتهم معارضو حزب المؤتمر الوطني هذا التنظيم بالتهام الدولة وتسخير قدراتها لصالحه، حيث أسهمت سياسة “التمكين” التي اتبعها في التسعينيات في سيطرة الكثير من أعضائه ورموزه على المؤسسات العامة وعلى المؤسسات الخاصة عبر شبكات لاستغلال النفوذ والسيطرة على رؤوس الأموال وتورط كثير منهم في قضايا فساد

والجدير بالذكر أن الجيش السوداني قد أطاح بالبشير واعتقله في 11 أبريل/ نيسان بعد 16 أسبوعا من الاحتجاجات الشعبية.

ويواجه البشير المحاكمة بشأن اتهامات فساد من بينها حيازة النقد الأجنبي والكسب بطرق غير مشروعة.